الشيخ محمد آصف المحسني

256

صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية

بقي في المقام أمران : الأمر الأول : لا إشكال في حدوث صدقه فإنه من صفة أفعاله ، نعم لا يقال في العرف : كان اللّه ولم يكن صادقا لإشعاره بثبوت ضدّه له ، بل لا بدّ أن نقول : كان اللّه ولم يكن متكلّما أو فاعلا ، فالمسلوب هو المنشأ . هذا ولكن في رواية جابر عن الباقر عليه السّلام قال : « إن اللّه تبارك وتعالى كان - ولا شيء غيره - نورا لا ظلمة فيه وصادقا لا كذب فيه وعالما لا جهل فيه وحيا لا موت فيه وكذلك هو اليوم وكذلك لا يزال ابدا » « 1 » وفي رواية المفضل عن الصادق عليه السّلام « . . . وصدق ليس فيه كذب وعدل ليس فيه جور . . . كذلك لم يزل ولا يزال . . . الخ » « 2 » . أقول : ويمكن حمل الصدق فيهما على الحقّ والكذب على الباطل فيرجعان إلى الصفات الثبوتية ، وتشهد له صحيحة هشام بن سالم « 3 » عن الصادق عليه السّلام ففيها : « هو نور لا ظلمة فيه ، وحياة لا موت فيه ، وعلم لا جهل فيه ، وحقّ لا باطل فيه . . . الخ » ويحتمل أن يكون الصدق والعدل بمعنى سلب الكذب والجور كما ذكره الامام أيضا ، ولا شك أنه تعالى كان في الأزل غير كاذب ولا بجائر . والأمر سهل . الأمر الثاني : قد عرفت أن امتناع الكذب عليه تعالى إنما هو من جهة عدم صدور القبح عنه ، وسيأتي في المقصد الخامس أن الصحيح كونه بالوجوه والاعتبار . فإذن يمكن أن يقول قائل : بمنع امتناع الكذب عليه ؛ إذ على هذا القول - أي كون القبح بالوجوه والاعتبار - يمكن أن تتحقّق في الكذب مصلحة مرجّحة لوقوعه رافعة لقبحه ، فإذا تطرّق هذا الاحتمال فقد بطل الاستدلال على امتناع الكذب المذكور . ويؤيده ما ثبت عند أصحابنا الإمامية - رضي اللّه عنهم - من جواز التقية على الإمام ، فإنها لا تختصّ عندهم بالأفعال بل ، تجري في الأقوال أيضا ، فإذا جاز أن يقول الإمام عبارة كاشفة عن الواقع على خلاف ما هو عليه مراعاة لمصلحة التقية ، جاز مثله في حقّ النبي بل وفي حق اللّه تعالى . ومن هنا ذهب بعض الزنادقة من المنتسبين إلى الإسلام - كما في الفصول الغروية في الأصول الفقهية - إلى أن الأخبار الواردة في الشريعة ممّا يتعلّق بتعذيب الكفار والفساق بأسرها أخبار صورية غير مطابقة للواقع ، قصد بها مجرّد التخويف لحفظ النظام وتكميل الأنام .

--> ( 1 ) بحار الأنوار 4 / 69 . ( 2 ) المصدر نفسه 3 / 306 . ( 3 ) المصدر نفسه 4 / 70 .